الشيخ محمد الصادقي الطهراني
423
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
والإيماني ، أنه لا يلحق والده في النجاة وهي قضية الإيمان . أجل إن الوشيجة الآهلة لعريق الصلة بين أفراد هي - فقط - وشيجة الإيمان باللّه والعمل الصالح ، وليست وشيجة الدم والنسب ، ولا الأرض والوطن ، ولا القوم والعشيرة ، ولا اللون واللغة ، ولا الجنس والعنصر ، ولا الحرفة والطبقة أماهيه من وشائج الأرض العريضة الحضيضة ، إنما هي وشيجة الإيمان التي تجتاز فواصل الزمان والمكان وسائر الفواصل ، فتوحّد من خلالها بين مختلف الأفراد . فحين يقول نوح : « رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي » قاصدا وشيجة النسب يرد عليه ربه « يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ » ولما ذا ؟ ل « إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ » حيث انقطعت بينكما وشيجة الإيمان « فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ » ! . وهذا هو المعلم الواضح البارز على مفترق الطريق بين نظرة الدين الحق إلى الوشائج والروابط ، وبين نظريات الجاهليات على مختلف مبادئها ، ثم معلم آخر في نفس الوشيجة الإيمانية : « إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ » . 2 هل إن طوفان نوح عليه السلام عم الأرض كلّها بمن عليها من الكفار ؟ أم خص أرض دعوته التي كان يدعو فيها ؟ . إن قضية الرسالة العالمية لنوح عليه السلام هي شمول دعوته كل سكنة الأرض طيلة دعوته كما وظاهر القرآن كالنص يؤيد شمولية هذه الدعوة والغرق ، فقد انتسلت البشرية بعد الطوفان - فقط - ممن حمل مع نوح في الفلك : « ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً » ( 17 : 3 ) . ودعى نوح على كل سكنة الأرض إلّا الذين آمنوا معه : « وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لاتَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً » ( 71 : 26 ) وقد استجابه اللّه كما دعي : « فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ . وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ » ( 71 : 11 - 12 ) . ولا تعني الدعوة الرسولية أن يدعو الرسول بنفسه كافة المرسل إليهم ، بل وبحملة رسالته الذين يوحى إليهم أم هم الربانيون من أمته ، ثم الأرض التي كانوا يسكنونها كانت